كمي الملحم- أين الاستفتاء؟

صيغة الطباعة
مرّ يوم 7 آذار مارس من دون إجراء استفتاء على الاتفاقية الأمنية المبرمة بين الولايات المتحدة والعراق (سوفا).

لا أحد يعلم ما هو دافع الحكومة او مفوضية الانتخابات لتجاهل قانون صدر بالأغلبية البرلمانية، في نظام سياسي يعرّف نفسه بأنه نظام برلماني. لا أحد من السّياسيين تكبد عناء التفسير او التبرير.

حكومة المالكي، ومنذ أواخر 2008 كانت قد وعدت بتنظيم الاستفتاء على الاتفاقية الامنية خلال ستة أشهر، لكنها ولأسباب «لوجستية» اعتذرت عن عدم تنظيمه في يوم انتخابات مجالس المحافظات، تاركة الباب مفتوحا للتصويت على الاتفاقية بالتزامن مع يوم الانتخابات البرلمانية الخاصة باقليم كردستان منتصف العام 2009.

لكن الحكومة عادت وأجلت من جديد - ولأسباب «لوجستية» دوماً- موعد الاستفتاء معربة عن نيتها اجراءه بالتزامن مع الانتخابات البرلمانية العامة.

القصة ليست الاولى من نوعها في عراق ما بعد 2003، لكنها تصلح نموذجا عن سياسة القادة العراقيين في استرضاء مواطنيهم وتهدئة خواطرهم بالكلام ومن ثم الكلام.

بدأت القصة في تشرين ثاني نوفمبر، عندما أقرت الحكومة العراقية الاتفاقية الامنية مع الولايات المتحدة بأغلبية 27 وزيرا من اصل 28 حضروا الجلسة، وحددت الاتفاقية موعدا هو نهاية العام 2011 لرحيل القوات الامريكية عن العراق، وتضمنت عناوين عدة «لشراكة استراتيجية طويلة الأمد» عسكرية، اقتصادية، علمية وثقافية بين البلدين.

حينها وجد المالكي صعوبة في تمرير الاتفاق داخل البرلمان في ظل معارضة قوية من تيار مقتدى الصدر وحزب الفضيلة الشيعيين، وجبهة التوافق وجبهة الحوار الوطني السنيّتين. فقد وجدت التيارات الاربعة في الاتفاقية انتقاصا من السيادة العراقية وشرعنة للاحتلال.

وتمثلت أبرز نقاط الاعتراض حول المادتين 12 و19 منها الذين يوفران الحصانة القضائية للجنود الأميركيين، ويمنعان تفتيش البريد الرسمي الأمريكي، ويمنحان حرية غير محدودة لحركة القوات الأجنبية في الدخول والخروج من البلاد.

بعد أخذ وردّ، قبل التياران السنيّان وبمبادرة من صالح المطلك زعيم جبهة الحوار الوطني، إمرار الاتفاقية، لكنهما اشترطا على حكومة المالكي تقديم تعهدين اثنين: تنظيم استفتاء شعبي في مدة أقصاها الأول من تموز يوليو 2009 تسقط بموجبه الاتفاقية عند رفض ثلاث محافظات لها، وثانيا، تطبيق «وثيقة الإصلاح السياسي» التي أعلن المطلك عن بنودها، وتتضمن اجراء تعديلات على قانون اجتثاث البعث، وإعادة التوازن إلى الأجهزة الامنية والحكومية واطلاق سراح المعتقلين السياسيين وأغلبهم من السنّة.

وافقت حكومة المالكي على تقديم التعهدين، واقرتهما في قانون منفصل، وخصصت 99 مليون دولار لتمويل الاستفتاء، وبذلك نجحت في تمرير الاتفاقية بأصوات أكثر الاطراف معاداة للوجود الأمريكي، في وقت قاطع فيه حزب الفضيلة الجلسة، وأعلن الزعيم الشيعي مقتدى الصدر «حدادا سياسيا» استمر ثلاثة أيام.

الناطق الرسمي باسم جبهة التوافق العراقية والقيادي بالحزب الإسلامي العراقي سليم الجبوري عد يوم 27 تشرين الثاني نوفمبر يوم اقرار قانون الاستفتاء نصرا حققته كتلته، وقال يومذاك إن «أمر قبول أو رفض الاتفاقية الأمنية بات اليوم بيد الشعب العراقي، والشعب هو الذي سيقرر مصيرها».

الجبوري اضاف يومها أن «الفترة التي أعطيت لإجراء الاستفتاء الشعبي ستكون كافية في أن يعرف الشعب العراقي مدى التزام الجانب الأمريكي والجانب العراقي ببنود الاتفاقية الأمنية ووثيقة الإصلاح التي سيتم إقرارها داخل البرلمان».

لكن، وخلافا لتوقعات الجبوري، لم تكن الفترة كافية على الاطلاق. فقبل أيام احتفل قادة العراق بـ «العرس الانتخابي»، وكان قد مر على تقديم الحكومة تعهداتها أكثر من سنة وأربعة أشهر.

طوال هذه الفترة بقيت وثيقة الاصلاح السياسي مركونة على رفوف الحكومة والبرلمان. أكثر من ذلك، وعلى عكس مطالبات صالح المطلك باجراء تعديلات على قانون اجتثاث البعث، جرى استبعاد المطلك نفسه من الترشح للانتخابات، بذريعة ارتباطه بحزب البعث المحظور. أما التعهد باجراء الاستفتاء على الاتفاقية الأمنية فقد تم تأجيله من جديد إلى موعد غير محدد، ولأسباب «لوجستية» أيضا.

خلال شهر من الحملات الانتخابية لم يتطرق أحد من السياسيين الى الاستفتاء على الاتفاقية الأمنية، حتى في سياق التبرير أو الاعتذار عن عدم التطبيق.

الجبوري الذي كان متحمسا في ذاك الوقت لسماع رأي الناس في الاتفاقية يقول اليوم إن «الكتل السياسية لم تعد مهتمة بتلك القضية، وترغب في تجاهلها لأنها مشغولة بالانتخابات، فهي لا تراها أمراً يمكن استغلاله في الحملات الانتخابية».

إذن حتى بالنسبة لرافضي الاتفاقية الأمنية، لم تكن تلك سوى عنوان يصلح (أو لايصلح) للاستغلال في مواسم الانتخابات.

من الناحية العملية لم يوجد أي مبرر لتجاهل الاستفتاء، فقد تم توفير مخصصات مالية، بل إن اجراء التصويت في يوم 7 مارس كان ليوفر على الحكومة العراقية قسما كبيرا من هذه المخصصات، كما ان الوقت كان كافيا، إذ لن تتطلب أكثر من اصدار بطاقات تصويت خاصة بها.

مهما تكن التقييمات اللاحقة، فالمؤكد أن المالكي تمكن من استرضاء خصومه السياسيين وتمرير اتفاقية بهذا الحجم في اقل خسائر ممكنة (إصدار قانون فقط لا غير!) في حين احتفل الخصوم بنصرٍ قصير الأمد بقي حبرا على الورق، وانشغلوا بعدئذ بعناوين سياسية أكثر تحشيدا للناخبين.

اليوم، وبعد 7 آذار مارس، يحلو للمراقبين نسيان موضوع الاستفتاء تماما. إذ لا معنى لتحديد موعد جديد للمضيّ فيه.

فالرئيس أوباما أعلن أن جميع القوات المقاتلة من بلاد الرافدين، البالغ عددها 50 ألف جندي ستنسحب نهاية آب أغسطس 2010، وهو وقت بالكاد سيكون كافيا لتشكيل الحكومة العراقية، ناهيك عن تنظيمها لاستفتاء شعبي، في حين ستنسحب بقية القوات (غير المقاتلة) قبل نهاية العام 2011. أما العناوين الاقتصادية والعلمية والثقافية، فلم يكن لدى القوى العراقية الاربع اعتراضات جوهرية عليها في الأساس.

هكذا يسقط القانون بحكم «الامر الواقع» وهكذا سقطت قوانين اخرى قبل ذلك او هي قيد السقوط. فالحالة نفسها كانت قد جرت مع المادة 140 من الدستور العراقي التي يطالب الاكراد بتطبيقها والتي حدد الدستور موعدا أقصى له هو نهاية العام 2007. والحالة نفسها تكررت مع اكثر من 15 مادة دستورية كان من المفترض تعديلها منذ منتصف العام 2006، وهي مواد من شانها لو طبّقت، أن تحدد شكل الدولة العراقية المقبلة وصلاحيات مؤسساتها الدستورية والعلاقة بين اقاليمها وحكومتها المركزية وعلاقتها مع دول الخارج.

هذه العناوين لا تؤرق صانعي السياسة في الوقت الحاضر، فهم اليوم يحتفلون بما أجمعوا على تسميته «العرس الانتخابي» (37 قتيلا كان ثمنا «لا بأس به» لهذا العرس على ما رأت الصحف!) أما الاستفتاء وسواه من القوانين المعلّقة، فبالإمكان دوما تأجيلها.




مقالات ذات صلة

المفضلة

Mister Wong add to oneview del.icio.us Digg!