نكهة الفوضى العراقية في لندن
نقاش | حسن عبد الرزاق | 2010/03/12
» كان أمامك أربع سنوات للتحضير للانتخابات»
قبل أسبوع ونصف من فتح مراكز الاقتراع، حضرت لقاءا بتنظيم من جمية «امبريال كولدج» العراقية بعنوان «لماذا يجب على أن أصوت لك؟».
ذهب نصف الوقت المخصص للمناسبة في جلسة أسئلة تم التحضير لها على نمط برنامج «وقت للسؤال» الذي تذيعه البي بي سي. وقد حضر المناسبة ممثلون من عدد من التحالفات السياسية العراقية وكان النقاش، وإن بدا حادا في في بعض الأحيان، حيويا وغنيا بالمعلومات.
كان الحوار محتدما بين شاب يمثل القائمة العراقية التي يرأسها إياد علاوي وبين زهرة الركابي، المحامية التي تلقت تعليمها في جامعة أوكسفورد، وكانت تتحدث باسم ائتلاف دولة القانون الذي يرأسه نوري المالكي.
كانت الركابي التي ترتدي الحجاب واثقة من نفسها. لقد حضرت نفسها جيدا لهذه المناسبة. لكن، وعلى الرغم من ذلك، استطاع الشاب الذي يمثل القائمة العراقية أن يسجل نقاطا جيدة وسهلة بتركيزه على الفساد المتفشي في حكومة المالكي.
لقد كان النقاش مسليا وأعطى معنى ونكهة للديمقراطية الوليدة في العراق، لكن
النصف الآخر من اللقاء، قوّض آمال الحضور.
مع البدء بهذا الجزء من البرنامج ظهر ممثل عن المفوضية المستقلة العليا للانتخابات والذي جاء الى بريطانيا لتنظيم الانتخابات في المملكة المتحدة.
أمضى مندوب المفوضيّة جزءا كبيرا من الأمسية وهو يعبث بقطعة من الورق، مثله في ذلك مثل فتى أرغمه والديه على حضور مناسبة ما ضد رغبته وإرادته. وكان يتحدث بصوت بالكاد كان مسموعا ونادراً ما نظر بشكل مباشر الى الجمهور. كان حضوره لفترة وجيزة جدا ولم يقدم اية معلومات ذات اهمية. كما نسي ان يذكر اسم المكان الذي ستجري فيه الانتخابات حتى ذكّره بذلك واحد من الحضور.
حدثنا المندوب بأنه سيكون هناك «مركزين» للاقتراع في ويمبلي وسيكونان في ذات البناء. كما قال ان هناك مبنى في برمنغهام وآخر في مانشستر. وعندما سئل لماذا لا يوجد عدد أكبر من المراكز الاقتراعية لتلبية احتياجات الجالية العراقية الكبيرة في لندن، بدأ يتمتم بكلمات حول عدم كفاية الوقت ومحدودية الميزانية عند التحضير للانتخابات ومن دون أن يقدم أسبابا مقنعة لذلك. ومضى يقول أن على الراغبين في التصويت من ابناء الجالية العراقية في المملكة المتحدة أن يقدموا وثائق تثبت أنهم قد أتوا من مناطق محددة من العراق.
وبسرعة، نبهه الجمهور الى ان الكثيرين من العراقيين ليس لديهم اية وثائق تثبت المنطقة التي قدموا منها لاسباب عديدة، منها انهم تركوا وثائقهم خلفهم عندما غادروا العراق هربا، ولديهم اليوم أبناءا ولدوا في المنفى. وكان جواب مندوب المفوضيّة كالتالي: «حسنا، كان امامكم أربع سنوات للحصول على الأوراق اللازمة». عند هذه النقطة صاح رجل من الحضور قائلا: «كان لديك أربع سنوات لتنظيم انتخابات لائقة وفشلت في ذلك. كيف تجرؤ على إلقاء اللوم علينا؟!» طلب مدير الجلسة من الرجل التزام الهدوء فيما تابع المندوب حديثه العبثي الممل.
لا تتوقع ان تصوت في فندق خمسة نجوم
كان النظر الى الصف الطويل الذي يعج بأولئك الذين جاءوا للادلاء بأصواتهم في مركز الاقتراع في ويمبلي مثبط للهمم. صف طويل يذكرك بالدول الشيوعية سابقا: صف طويل لا تبدو له نهاية. انضممت الى صديق قديم وهو من الشعراء تواعدت معه كي التقي به في مركز الاقتراع.
حاولنا قدر المستطاع ان نلهي انفسنا بالحديث والتنقل بسرعة. وعلى الرغم من أشعة الشمس في ذلك اليوم، كانت درجة الحرارة قريبة من درجة التجمد، وكان من الواضح أن هناك عدد قليل جدا من الناخبين كان قد حضر نفسه جيدا لمثل هذا الانتظار الطويل.
أعتقد ان الكثرين من الحضور، بمن فيهم انا، كانوا قد شاركوا في انتخابات عام 2005. في تلك الانتخابات، كانت الامور مختلفة كليا. كان الاقتراع يتم في مراكز كبيرة تتسع للاعداد الكبيرة للجالية العراقية في بريطانيا وكانت عملية التسجيل والاقتراع تتم على مدى يومين، وكانت الاجراءات فعالة وسريعة. كما كان هناك جو ملحوظ من الابتهاج في عام 2005.
أذكر مجموعة من الشبان الأكراد كانت ترقص في مستديرة كبيرة خارج مركز الاقتراع، وكانوا يقرعون طبولهم وينشدون أغنياتٍ يمكن سماعها من مسافة ليست بالقصيرة.
هذا العام، وعلى الرغم من أن العديد منهم قد ارتدى ملابس ملونة وحمل الاعلام الكردية بكل فخر، الا أنهم جميعا وبالتأكيد كانوا بمزاج سيئ. لقد غابت الروح الاحتفالية وربما كان ذلك نتيجة لفقدانهم الثقة بالسياسيين الذين يمثلونهم.
بعد ساعتين من التقدم البطيء الذي يشبه خطوات السلحفاة، قرر صديقي الشاعر أن ليس بامكانه تحمل الطقس المتجمد أكثر من ذلك. لم يكن لوحده في ذلك. فالكثير من العراقيين، خاصة كبار السن منهم قد بدأوا بالاستسلام وأخذوا يديرون ظهورهم استعدادا للعودة الى منازلهم.
بعد مغادرة صديقي الشاعر، كان هناك ساعة اخرى من الانتظار للوصول الى البوابة التي كان يسمح عندها للمنتظرين ان يدخلوا واحدا تلو الآخر. وقد طلب منى ان انضم الى صف طويل آخر خارج البوابة الامامية لمركز الاقتراع.
وأخيراً دخلت المبنى، وكان هناك من اصطحبنى الى قاعة صغيرة. نظرت حولي وتساءلت لماذا تم اختيار مكان غير ملائم كهذا لحدث بهذه الاهمية؟ هل كان ذلك بسبب ضعف الموارد المالية؟ هل أن الحكومة العراقية قد خصصت مبالغ مناسبة ولكن هذه الاموال كانت قد ذهبت الى جيوب اناس فاسدين؟!
تذكرت رسالة بريدية الكترونية تداولها الكثيرون واحتوت على رسالة استقالة فاضل حسين الاسدي من منصبه كمنظم للانتخابات في مانشستر. كانت رسالته موجهة الى ممثل المفوضية في لندن، الرجل المولع بالعبث.
من بين الأسباب الكثيرة للاستقالة التي ذكرتها الرسالة كانت النقاط التالية: انه من العار ان يتم اختيار بناء في مانشستر كان قد اخلى منذ سنوات وبناء يتوجب علينا ان نعيد صيانته ونتجمل العبء المادي لتجديده. عندما طلبت تخصيص ميزانية لتنظيف المكان، جاءني الرد «لا تتوقع ان تصوت في فندق من خمسة نجوم!» ويمضي أسدي في رسالته قائلا: وجد بعض الزملاء ثلاثة مواقع بديلة لتكون مراكز للاقتراع، ولكن المفوضية رفضت الموافقة عليها لأسباب غير معروفة.
سأسديك خدمة
كانت هناك عدة مكاتب للتسجيل اصطف الواحد منها تلو الآخر على امتداد القاعة. اقتادتني واحد من المرشدين في القاعة. كانت المرأة الجالسة خلف المكتب في منتصف عمرها وكانت ترتدي الحجاب حول رأسها البيضاوي الشكل.
قدمت لها جواز سفر العراقي وهويتي، وكان على الجواز كما على الهوية الصورة ذاتها لي عندما كنت في السابعة او الثامنة من عمري، صورة اخذت في السبعينات قبل دخول العراق في حربه الطويلة التي دامت لعقود. كما هو حال الكثيرين من العراقيين، غادرت العراق انا وعائلتي بسبب نظام صدام الدموي. وكان علينا أن نتحمل المنفى والانتقال من بلد إلى آخر، كما وكان علينا ان نعاني دائما مع المسؤولين حول المسائل المتعلقة بتأشيرات الدخول والإقامة. معركة مرهقة ولكنها مألوفة جداً للملايين من العراقيين. لدينا جوازات سفر انتهت صلاحيتها ولكننا احتفظنا بها على أمل أن نعود يوما ما الى الوطن. بعد الاطاحة بالدكتاتور شعرنا بالابتهاج الشديد. ولكن فرحتنا لم تدم طويلاً والظروف في العراق سرعان ما أصبحت اكثر خطورة من أي وقت مضى. لقد عنت لي هذه الانتخابات، على الاقل، صلة وصل مع العراق الذي حرمت منه مرارا وتكرار.
نظرت المرأة الى جواز السفر وقالت: «انني آسفة، هذا الجواز هو من الفئة ك ونحن لم نعد نعترف بهذه الجوازات». ثم تنبهت السيدة الى الهوية وقالت: «سنكتفي بالهوية». ثم استدركت، وبعد النظر جيدا الى الهوية قائلة باستغراب: «انك من مواليد براغ؟!» واضافت: «هل لديك أي دليل عن اسم المنطقة التي
تنتمي اليها في العراق؟»
قلت لها: نعم، الرجاء النظر الى الجزء الخلفي من الهوية والذي يقول انها صدرت في كربلاء الشرقية، حيث كنا نعيش في بغداد.
أجابت السيدة قائلة: انني متاسفة جدا فهذا ليس بالدليل الكافي.
قلت لها: ما هذا الذي تقولينه؟ لقد صوتت في الانتخابات الأخيرة واستخدمت نفس هذه الوثائق؟
عندها استدعت السيدة رجل يعمل ضابط انتخابات والذي جاء بسرعة واخذ يدقق بوثائقي ثم سألني: اليس لديك ما يثبت انك قد ولدت في بغداد؟
قلت له: تمهّل، لقد ولدت في براغ. والدي التقى والدتي في براغ وتزوجها هناك. ولكن والدي ووالدتي عراقيان وكلاهما ولد في بغداد.
قال لي الضابط بلهجة شخص حسم امره وانهى الموضوع: عذرا، فنحن بحاجة الى ما يثبت انك عراقي الاصل!
عندما سمعته يقول ذلك انفجرت غاضبا: وما هي هذه الوثائق إذن بحق الجحيم؟! انظر الى جواز سفري العراقي، انظر اليه؟! انظر الى الهوية الصادرة بكل وضوح في بغداد. لماذا اعاقب لانني ولدت في مكان آخر؟!
اجابني انه لم يتوقع مني مثل هذا الغضب. وبدا المقترعون الآخرون ينظرون الينا. حاول ان يجرب معي تكتيكا آخر فقال: هل لديك مستندات تثبت ان اباك من مواليد بغداد؟
بدأ رأسي بالدوران من كل هذا الغباء. قلت له: والدي يعيش في لبنان. ما هو المطلوب مني؟ هل تطلب مني ان اجره كل الطريق من بيروت الى لندن حتى اتمكن من الاقتراع؟ لماذا تصعب الامور علي؟ عليك ان تسهل للناس امورهم بدل ان تضع عراقيل تافهة في وجههم.
أجابني قائلا: اسف هناك تعليمات يجب أن تطاع ولم اكن انا من وضعها.
قلت له: لقد انتظرت لمدة ثلاث ساعات في هذا البرد القارس كي اصوت. ولن اذهب من هنا بدون ان اصوت.
جاء ضباط انتخابات آخرون عندما سمعوا صوت صياحي وعندما رأوني وخداي قد أصبحا بلون الدم بسبب الغضب الشديد الذي اصابني. أمسك بي رجل يرتدي ثيابا بنية اللون من ذراعي وقال لي: اننا نحاول ان نساعدك. لن تصل الى شيئ اذا استمريت بالصياح. استمع الي وسأسديك خدمة.
قلت له: عما تتكلم. التصويت هو حق من حقوقي. لقد كانت كلمة «خدمة» التي استخدمها قد ذكرتني بصدام حسين والذي جعل كل شيئ ايجابي قام به، مثل شق طريق سريع او بناء مستشفى، يبدو وكأنه «خدمة» قدمها للشعب العراقي بدلا من أن يكون ذلك من واجباته كرئيس للشعب العراقي.
بعد هذه الكلمات اندلع الشجار بين موظفي الانتخابات. قال بعضهم ان ابناءهم وبناتهم يواجهون الصعوبات ذاتها حيث انهم هم ايضا قد ولدوا خارج العراق وانه ليس من العدالة بشيئ منعهم من التصويت. أما الآخرون فقد أرادوا فقط الالتزام بما نص عليه قانون الانتخابات رغم طبيعته التمييزية بين العراقيين.
فجأة جاء ضابط آخر، عمره اصغر من اعمار الضباط الآخرين كان يراقب بصمت ما يجري وسحبني من يدي باتجاه مكتب تسجيل آخر وقال لي: اجلس هنا. ستكون الامور على ما يرام؟!
قامت السيدة الجالسة خلف المكتب بتصفح مستنداتي ببطء فيما استند الضابط الشاب على المكتب وقال لها بلهجة تنم عن العجلة: انه من بغداد، هو من بغداد، استعجلي بالامر. رفضت السيدة قبول جواز سفري العراقي ولكنها طلبت رقم جواز سفري البريطاني وتفاصيل عن بطاقة الهوية. بعد ساعات من الانتظار، حصلت اخيرا على بطاقة الاقتراع.
لا يسعنا ان نحتمل الخسارة
مشيت وبدأت انظر الى الصف الطويل من العراقيين الذين ما زالوا واقفين في البرد القارس بانتظار دورهم وحضرني التساؤل التالي: اذا كانت الأوضاع هنا بهذا السوء فكيف ستكون عليه في العراق؟!
نحن هنا لا نخشى ان تنفجر بنا سيارة ملغومة ولا نخشى من حدوث أي هجوم بالصواريخ. عندما نعود الى منازلنا، لا يشغلنا انقطاع التيار الكهربائي وانقطاع المياه. وعلى الرغم من ذلك، شعرت بأن مفوضية الانتخابات قد نجحت في جعلنا نشعر بمرارة الوضع ورداءته، وكم هو حجم المعاناة من سوء الخدمات المقدمة للشعب العراقي. ما زال الشعور بأن الدولة تعمل ضدك لا لمصلحتك، هذا الشعور الذي ساد خلال فترة حكم صدام حسين، سائد حتى الان.
لم أكن الناخب الاول ولا الاخير الذي عانى من صعوبات اثناء الانتخابات. لقد تم استبعاد العديد من العراقيين لانهم لم يقدموا الوثائق اللازمة لعملية الاقتراع. من بين هؤلاء كان ضياء العزاوي، والذي يمكن ان يوصف بأنه الرسام الشهير، الحي في ذاكرة العراقيين.
لقد كانت عملية صياغة قانون الانتخابات التي تمت الموافقة عليه في نهاية عام 2009 عملية طويلة وشاقة. دخلت الحكومة والمعارضة في لعبة شد الحبال في مناقشة القانون وكان كل طرف قد حاول ان يخرجه بالشكل الذي يحفظ مصالحه. لذا فالتشريع الذي خرج الى حيز الوجود لم يتمكن من اخذ الواقع المعقد للعراقيين في المنفى بعين الاعتبار.
فليس بامكان كل عراقي ان يثبت اسم المنطقة التي اتى هو أو والده منها. وماذا بشأن أمهاتنا الحبيبات؟ ألا يهم من اين جاءوا؟ ان استبعاد الذين لا يمكنهم اثبات االمنطقة التي اتوا منها من عملية الاقتراع ليس الا استمرارا في الممارسات الاقصائية التي كانت سائدة أيام نظام صدام حسين.
فبعد سنوات سبع من الغزو، ما زالت الخدمات الاساسية غائبة في معظم انحاء العراق وما زال الوضع الأمني، رغم تحسنه، بعيدا جدا من ان يكون وضعا طبيعيا او مناسبا. فلقد كانت الديمقراطية هي كل ما كسبناه من الغزو، فاذا ما أضعناها، فاننا نكون قد أضعنا كل شيء.
(Photo by Ziad Turki/ Niqash.org)
آخر التعليقات
هجرس نعوم: "يلغى بقرض وشروط البنك الدولي حق..."