ألاب توما: أصبح البقاء في الوطن هو الاستثناء!

صيغة الطباعة

يواجه المهاجرون من مسيحيي العراق صعوبات في التكيف مع محيط المهجر، ومع ارتفاع معدلات هجرتهم من البلاد، يخشى المراقبون من خطر إفراغ البلاد من ممثلي المسيحية القديمة. حول هذه الصعوبات والمخاوف، ألتقت "نقاش" الاب الدكتور يوسف توما، رئيس تحرير مجلة "الفكر المسيحي" ومؤسس جامعة بغداد المفتوحة للعلوم الانسانية.

ويعد الاب توما من أبرز الاباء الدومينيكان في العراق، ترجم عشرات الكتب عن السريانية والانكليزية والفرنسية، فضلا عن إتقانه لغات اخرى مثل الالمانية واليونانية والاسبانية، ومع خبرته النادرة في التحديات التي يتعرض لها المهاجرون المسيحيون من خلال رحلاته السنوية التي يطوف فيها بلدان المهجر في اوربا واميركا، توجهنا له بهذه الاسئلة: ‏

نقاش: خلال تفقدك لإوضاع المسيحين العراقيين في أكثر من اربعين دولة، كيف تحدد تأثيرات المهجر عليهم؟ ‏


الاب توما: استطيع ان احدد تأثرات المهجر على أربعة أصعدة: رومانسية تتمثل ببروز النوستالجيا (الحنين للماضي في العراق)، ودينية لاهوتية تتمثل بالعودة للتدين كنوع من الاتصال بالجذور، فالمسيحي الذي لا يتردد إلى الكنيسة، صار يبحث عنها في المهجر. وتأثيرات غريزية تتمثل بالتحوّل الـ" جسمي/ نفساني"، أي ما يسمى بالسايكوماتي الذي يتعرض له المسيحي جراء انتقاله إلى مناخات أخرى، فالذين هاجروا إلى أستراليا ونيوزلندا على سبيل المثال يحتفلون بعيد الميلاد في الصيف، بعد ان ارتبط عندهم عيد الميلاد بنار الشتاء، والأكل الدسم الثقيل للشتاء.

كما ان هناك تأثيرا يتعلق بالشخصية، فالمسيحي الذي اتخذ قرارات في بلده الأم كقرار الزواج والهجرة، يجد نفسه أمام مفترق طرق في المهجر، وتتزاحم التساؤلات المقلقة: هل قمتُ بالاختيار الصحيح، وهل كان قراري صائبا؟ ‏

نقاش: ما مصدر المشاكل الاجتماعية والأسرية التي يتعرض لها المسيحيون في الخارج؟ ‏


الاب توما: خلال متابعتي مشاكل المهاجرين النفسية، فهمت ان مصدرها الراحة التي يلاقيها المسيحي بعد القلق والضغوط التي كان يعانيها في العراق، والتي كانت تزوده بكمية كافية من الأدرينالين الذي ينشط العقل والجسم، لكن اختفاء القلق يقلل من إفراز الأدرينالين في الدماغ، ما يؤدي بالبعض إلى اختلاق مشاكل قد نراها نحن هنا مضحكة وبسيطة مثل إساءة المعاملة مع الزوجة، وضرب الأولاد، وهو ما يؤدي إلى تسمم العلاقة بين الأجيال التي ولدت هناك، ويرتب تبعات قانونية على المهاجر قد تصل به إلى السجن. ‏

نقاش: كيف تقيمون مأساة إفراغ العراق من ممثلي المسيحية القديمة من سكانه؟ ‏


الاب توما: ان أرضنا أرض غزوات وهجرة، والكتاب المقدس يعكس هذه الهجرة والتحولات، ألم يهاجر إبراهيم من أور إلى فلسطين؟ لقد هاجر المسيحي العراقي منذ الحرب العالمية الأولى، وتتالت موجات هجرة جماعية بعد الحروب المتتالية في الأعوام 1980 و1991 و2003، هاجر المسيحي واعتاد الهجرة، وصار المهاجرون في الخارج أقوى تأثيرا، وكأن هناك اتفاقا ضمنيا على الهجرة، فكأن الأصل هو الهجرة والاستثناء ان يبقى في وطنه، فيقول الأخ لأخيه : الحق بي الى المهجر، بدون الدخول في تفاصيل معاناة ومشاكل المهجر، لكن بعد حصول ذلك تبدأ مسيرة أخرى لا خط رجعة فيها، على الأٌقل للأغلبية. ‏

نقاش: كيف تقيمون نظرة الاغلبية في العراق الى المسيحيين بوصفهم أقلية؟ ‏


الاب توما: إن هوية العراق مدفونة، لا فقط في كنوز الإسلام، ولا في كنوز العروبة فقط، هوية العراق هي ايضا في كنوز أخرى لشعوب متعددة، ربما لم يتبق منها اليوم سوى أنفار، لذا إن العبرة ليست بالعدد، ولا ينبغي أن نتصوّر، أن هذا إهانة، فالتقييم ضرورة، وإهمال جوانب من إرثنا باعتقادي إهانة للجميع، حتى للإسلام الذي هو غني بتنوعه، والتهميش أسلوب راج في الماضي، بخصوص القومية المهيمنة، انتهى الآن زمن القوميات الساحقة، لذا أعلن على الجميع: أيتها الأغلبية الساحقة ... لا تسحقينا! ‏

نقاش: هل تعتقدون ان هناك نظرة نمطية من الآخر للمسيحي في العراق؟ ‏


الاب توما: قل لي كيف تنظر أقول لك من أنت، والنظرة التي أسلطها على الآخر ليست موضوعية، إنها نظرة ذاتية وكاشفة لي أكثر من كونها كاشفة لمن أنظر إليه، فالنظرة النمطية بحاجة إلى تحليل، لأن الإناء ينضح بما فيه كما يقال.

من جهة أخرى يصعب على المسيحي اليوم أن يشق طريقه في العراق، لكي يعطي ما لديه، لكن سوف يفوت الأوان إذا ما قللنا حجم ما نريده من العراق، فالعراق ليس نفطا وماءً، هناك أرصدة أخرى أتمنى للأجيال الصاعدة أن توظفها في إغناء المستقبل.

المسيحي جزء من غنى العراق الحضاري ورصيده، وحرام أن لا يوضع في مكانه الصحيح، وهناك أشياء لا يمكن استعادتها بعد أن تضيع. ‏

نقاش: هل تعتقد أن كتب التاريخ المدرسية متصفة في تناولها دور المسيحيين في العراق؟ ‏


الاب توما: المسيحية تمثل جوانب الشعوب التي سكنت بلادنا، وهي شعوب قديمة حملت معها تاريخها، بلا قطيعة، فمثلا  يؤرخ المسلم في العراق لبداية التاريخ من 622م (التاريخ الهجري) بينما المسيحي لا يهمل ستة قرون قبل ذلك، أي منذ دخول المسيحية في العراق، والشاهد كنيسة "كوخي" في سلمان باك التي تعود إلى العام 79م، كما ان اليهود العراقيون يرجعون إلى تاريخ أقدم بكثير، لذا فالشعوب الضاربة جذورها في عمق التاريخ تحمل إرثاً ثقيلا، والمسيحي يقف في الوسط بين اليهودية والإسلام، إنني اشعر بالأسف على القطيعة التي أحدثها مؤرخو الإسلام مع الماضي، وكأن التاريخ قبل 636م (دخول الإسلام في العراق) غير موجود، على الرغم من ان هناك فترات كان فيها التعايش وقبول الآخر سائدا كفترة الحكم العباسي والتي تعد فترة ذهبية للعاصمة بغداد التي كانت عاصمة عالمية. ‏

نقاش: ما تقييمكم للتمثيل السياسي للمسيحيين العراقيين، ومقدار تمثيله لاوضاعهم ومطالبهم؟ ‏


الاب توما: من وجهة نظر اجتماعية، يعيش العراق ما يشبه بدوامة المتغيرات، لا تقاس نتائجها بالسنوات وإنما بالأيام، ويعمل التهافت على السلطة والسياسة، وعدم وجود ضوابط في التمثيل السياسي، واعتماد محاصصة ولادية (أي انك ولدت في المنطقة الفلانية وضمن طائفة ما، فأنت منتم إليها شئت أو أبيتَ، بغض النظر عن كونك مثقفَا أو جاهلا) كل ذلك يعمل على تقليل حقيقة التمثيل السياسي للناس، وباعتقادي سوف نحتاج إلى فترة طويلة لكي تزول الاعتبارات الإثنية، وتصعد الكفاءة، لكي يمثلنا سياسيا من هو قادر وعاقل وحكيم.

سعد سلوم

باحث وصحفي عراقي تولد بغداد 1975، وهو أستاذ جامعي يدرّس العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، ورئيس مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية، وهي مؤسسة متخصصة بدراسة الأقليات والذاكرة الجماعية وحوار الثقافات. كما يعمل سلوم كرئيس تحرير لمجلة مسارات الفكرية الثقافية التي صدر عددها الاول في نيسان 2005، ومنسق المشاريع في جمعية الدفاع عن حرية الصحافة والتي فازت بوسام الجمهورية الفرنسية لحقوق الإنسان للعام 2009، اُنتخِبَ في العام 2009 كأمين سر للجمعية العراقية لدعم الثقافة. عمل سلّوم رئيسا لتحرير جريدة الجهات 2003 ومديرا لمكتب جريدة المشرق 2004-2005 و مديرا لمركز المشرق للدراسات الإستراتيجية 2005- 2008 . حرر كتب الحوار المتمدن الصادرة في بغداد 2007 وهي : آفاق ومستقبل المجتمع المدني في العراق، المصالحة والتعايش في عراق الصراع، اربع سنوات من الاختلال الاميركي للعراق، واقع المرأة في عراق ما بعد التغيير، كما شارك في مؤلفات جماعية أخرى، من مؤلفاته : امبراطورية العقل الاميركي- الفوضى الشاملة والسلام الدائم 2006 مستقبل العلاقات الاميركية العراقية 2008.

مقالات أخرى للكاتب